فنون, محاضرات, مسرح, تعليمية, دروس تربية فنية

المحاضرة السادسة : التقنيات المسرحية في مسرح عصر النهضة

يشكل عصر النهضة منطلقا تطويريا بعد العصور الوسطى بما امتلكه من توجهات علمية أسهمت في رفد الحياة بكل ماهو جديد ضمن اسس استندت الاكتشافات العلمية والتطور الصناعي الامر الذي انعكس بالضرورة على النشاط المسرحي بما فيه التقنيات البصرية التي دخل فيها ذلك التطور التقني وقتها .

امتد عصر النهضة خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر وقد شهدته بشكل فاعل دول مثل ايطاليا وفرنسا وانكلترا واسبانيا ، وشهد العصر تطوراً شمل الفنون والآداب والشعر والموسيقى والتمثيل وايضاً الثورة الصناعية والايمان بفردية الانسان بعد هيمنة سلطة الكنيسة عليه لسنين طوال وقد تميز عصر النهضة بتطور العلوم على يد فرانسيس بيكون واكتشاف كولومبوس الامريكيتين عام 1492 .

وبغية التجديد والافادة من التطور العلمي تم توظيف التقنيات البصرية المسرحية بأشكال جديدة وذلك بخروجها عما كان سائداً ومألوفاً في مسرح العصور الوسطى .

فمثلا في مجال الاضاءة المسرحية فقد استخدمت المشاعل والشموع ولمبات الزيت الخاصة وان العروض المسرحية كانت تقدم في مسارح مغلقة وفي عام 1550 استخدم ( ليون دي سومي ) الاضاءة للتعبير عن موضوع المسرحية حيث استخدم الاضاءة الساطعة لغرض التعبير عن المشاهد الكوميدية والاضاءة الخافتة للتعبير عن الاحداث الحزينة وهذه التقنية البصرية لم يكن متعارفاً عليها سابقا وفي عام 1545 قدم ( سبستيانو سيريليو ) اختراع جديد في استخدام تقنية الاضاءة حيث اوجد ( سيريليو ) الاضاءة الملونة باستخدامه زجاجات يوضع بداخلها سائل ملون باللون الاحمر لغرض منح الاضاءة لون احمر للتعبير عن مشاهد القتل مثلا واستخدام كلوريد النوشادر لغرض اعطاء الاضاءة لون ازرق للتعبير عن السماء واستخدام سائل الزعفران ليعطي الاضاءة لون اصفر وكان يضع هذه الزجاجات امام الشموع والمشاعل ووضع كوالس ناعمة خلف هذه المشاعل لغرض تحقيق انعكاس للضوء ويتم تغييرها لتعبر عن المشهد المطلوب .

كما تطور شكل خشبة المسرح بحيث اصبح تصميمها مختلفاً عن تصميم خشبة المسرح التي كانت مألوفة في مسرح العصور الوسطى حيث فصلت الصالة عن الخشبة المسرح مما أدى الى تخصيص مكان ثابت ومحدد لجلوس الجمهور وهذا جاء منافياً لما عرف فيه مسرح العصور الوسطى حيث كان الجمهور يسعى وراء العرض الذي يقدم في أماكن متعددة كالشوارع المختلفة حيث كانت عروضهم تقدم في الهواء الطلق بعد خروجها من الكنيسة وبتقريب المتلقين من الممثل سهل ذلك من تركيز المتلقي على الحدث الذي يجري في العرض المسرحي وجعله اكثر تفاعلاً مع الحدث المسرحي مما عزز لديه ثقافة فنية عالية وروح نقد فني وتواصل مع ما يقدمه الممثل على خشبة المسرح .

كما شكل رسم المناظر بطريقة المنظور تطوراً في تاريخ التقنيات البصرية حيث اصبح بالامكان تصميم المناظر بصورة تقدم للمتلقي بشكل يوحي بأنها قريبة من الحياة الطبيعية بحيث يظهر العرض المسرحي بتقنيات بصرية تفصيلية تصل الى عرض مشهد لمدينة بتفاصيل تعزز فكرة المسرحية حيث كان المصمم يصور مشهداً من مشاهد المنظور لمدينة بمنازلها وكنائسها وابراجها وحدائقها ويعزى رسم المنظور الى الرسام الايطالي ( سبستيانو سيريليو ) ، فقد صمم ( سيريليو ) المناظر المسرحية على أجنحة ثابتة توضع على مسافات منتظمة من خشبة المسرح وتكون مواجهة للمتلقين ويرسم عليها المنظر المطلوب بحسب موضوع المسرحية حيث قسم ( سيريليو ) مناظره المسرحية الى ثلاثة مناظر :

منظر ملهاوي ويشمل المنازل والفنادق والكنيسة بكل ما تحويه من تفاصيل .

منظر مأساوي صمم للتعبير عن طبقة النبلاء والاغنياء والابراج .

منظر ساتيري تتخلله فقط منازل ريفية تعيش فيها الطبقات الفقيرة .

وتعمل المناظر المرسومة بطريقة المنظور على تحفيز خيال المتلقي وتساعده على الاندماج مع الحدث المسرحي . الا ان هذه التقنية البصرية لم تستمر طويلا لانها تعتمد على مناظر ثابتة طيلة العرض المسرحي وهناك عروض تتطلب مشاهد متعددة تحتاج الى تغيير بحسب موضوع المسرحية لذا في عام 1638 وجد ( سلباتيني ) طرق لتغيير المناظر المسرحية حيث استخدم البرياكتوا وهي عبارة عن موشور مثلث الشكل يسهم في تغيير الاجنحة المسطحة وجعل المسطحات بعد ذلك تطوى كصفحات الكتاب ثم تغطى برسومات مغايرة تختلف الواحدة عن الاخرى لغرض تغيير المشاهد التي تناسب العرض الموجود على خشبة المسرح .

اما اداء الممثل في عصر النهضة فقد اتجه من الناحية البصرية نحو الاداء الجسدي المقارب الى الواقع المعيش في ذلك الوقت حيث اهتم الممثل في تجسيده للدور بنقل الصورة المسرحية كما في الواقع لغرض ايهام المتلقي بحقيقة دوره في العرض لذا وجب على الممثل ان يجد حركات وايماءات من نوع مناسب ليجعل دوره يبدو حقيقياً ، عليه ان يغيرها وفقا لتنوع الحالات المزاجية ويحاكي ليس فقط الشخصية التي يمثلها بل ايضا المرحلة التي يفترض ان الشخصية تمر بها في هذه اللحظة .

اما الازياء التي كان يرتديها ممثل عصر النهضة فهي ملائمة للشخصية وملائمة للعصر الذي تنتمي فيه الشخصية وفيها لمسة من البهرجة لذا كانت على غاية من الجمال والثراء وكان الزي الذي يرتديه الممثل مرة واحدة لا يرتديه مرة اخرى .

وفي المسرح الانكليزي الذي عرف بمسرح شكسبير فقد كان ذو شكل مستدير ويحتوي على فسحة كبيرة من دون اي غطاء او سقف ، اما مساحة العرض المسرحي فكانت تقام على اماكن ثلاثة تتكون منها خشبة المسرح الشكسبيري الاولى تسمى الخشبة الناشطة التي خصصت لحركة ممثلي الشخصيات الكثيرة اما المشاهد التي تتكون من شخصيات محدودة اي المشاهد الصغيرة فتتحرك على الخشبة الخلفية للمسرح اما الخشبة العليا فكانت مخصصة لغرض عرض المشاهد المرتفعة كما في مشهد القلعة في هاملت ومشهد الشرفة في روميو وجوليت وقد وظفت هذه الاماكن وتم تسخيرها لحركة الممثلين بحرية تامة وعدم التقيد ، حيث وفرت مساحة ومجالا واسعاً للتحرك دون اي قيد لان حركة الممثل تكون من مقدمة المسرح وصولا الى خلفيته .

اما الديكور المسرحي فقد اهتم ( شكسبير ) بطرق توظيف الديكور منطلقا من النص نفسه وامكانية تحقيقه على خشبة المسرح والذي يتخذ احيانا بعداً رمزياً وهذا مايظهر مثلا في حوار شخصياته المسرحية في تصوير الديكور ، ففي مسرحية ( حلم ليلة صيف ) يقدم ( شكسبير ) عبر حوار شخصياته مقترحا عن نوع الديكور المفترض للعرض المسرحي ، من خلال الحوار الآتي :

“كوثنيس : وهناك مشكلة أخرى ، يجب أن يكون في منتصف الفرقة الكبيرة حائط ، لأن القصة تقول ان بيراموس وثيسبي كانا يتحادثان من خلال فتحة في الحائط .

سناوت : من المستحيل احضار حائط في الغرفة ما رأيك يا بوتوم ؟

بوتوم : يجب أن يُمثل أحدنا دور الحائط ويحمل في يده بعض الجبس أو الصلصال أو لوحا خشبيا يمثل الحائط “.

وهنا استخدم شكسبير في تصوير الديكور المسرحي الايحاء والرمز من خلال استبدال الحائط بجسد الممثل مع بعض الملحقات بشكل مكثف ، كما يمكن ان يستخدم جزء من شيء كبير او كثير للتعبير عنه مثل استخدام فرع شجرة مثلا للايحاء بمنظر غابة أو مكان ريفي .

اما بالنسبة لتوجيه الممثل وادارة العرض ، فقد كان الكاتب المسرحي هو المسؤول المباشر وهو الذي يسدي بتعليماته للممثل حيث كان يطلب منه ان يجعل حركاته معبرة تحمل معنى وملائمة للفعل المسرحي الذي يؤديه .

في حين كانت الازياء المسرحية تعتمد على ارتداء الممثلين للملابس التي يرتدونها في حياتهم العادية في ذلك الوقت لذا فأن الملابس المسرحية قد ظلت على حالها فكانت ملابس العصر في زمن شكسبير .

أما الاضاءة المسرحية فلم تستخدم اضاءة صناعية في العروض المسرحية بل استخدمت اضاءة طبيعية معتمدة على اشعة الشمس لأن مسرح شكسبير كان مكشوفا ولايحتوي على سقف لذا كانت العروض المسرحية تقدم في وضح النهار ولتقديم المشاهد الليلية كانت تستعمل الشموع للإيحاء بالزمان ففي المشهد الأول من مسرحية هاملت نجد الممثلين يحملون شموعا لأن حوادث المسرحية تدورفي الليل .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s