فنون, محاضرات, مسرح, الاخبار, العامة, دروس تربية فنية

المحاضرة التاسعة : التقنيات المسرحية في القرن العشرين

أندريه أنطوان ( 1858 – 1943 ) : عالج المخرج الفرنسي ( اندرية أنطوان ) التقنيات البصرية المسرحية من خلال اسلوبه الاخراجي الطبيعي ضمن مسرحه المسمى ( المسرح الحر ) حيث التأكيد على نقل الحياة الطبيعية الى مساحة العرض بشكل يوحي بالمطابقة بينهما ، مما يجعل من وجود التقنيات البصرية امتداداً طبيعياً لما هو في الحياة بالشكل الذي يحقق تواصلاً حقيقياً بين المتلقي والعرض المسرحي وانطلق ( اندرية أنطوان ) في تعامله مع التقنيات البصرية من مبدأ ” هو أنه لا يجوز للمسرح أن يكذب ” أي ينقل كل ما هو موجود في الحياة الطبيعية على خشبة المسرح نقلا حرفيا اي ان يكون المسرح صورة طبق الاصل من الحياة دون اي تدخل أو صناعة أو زيف اي يستمد موضوعاته من العصر والبيئة ، فكان مثلاً ينقل الذبائح الطازجة على خشبة المسرح وما تزال قطرات الدم تتساقط منها . كما أكد أنطوان على فكرة الجدار الرابع من اجل خلق الايهام الكامل على خشبة المسرح منطلقا من فلسفته الطبيعية .

وبذلك وظف التقنيات البصرية ( جسد ممثل ، ديكور ، أزياء ، اضاءة ، اكسسوار ، … الخ ) للتأكيد على الايهام في عرضه المسرحي الى حد أنه كان يستخدم عناصر واشياء مأخوذة مباشرة من الواقع ليضعها على خشبة المسرح أي يستند في صناعة التقنيات البصرية المسرحية على مبدأ النسخ فكل ما هو موجود على الخشبة هو منسوخ عن الواقع حرفياً فجميع المفردات البصرية التي توجد على مساحة العرض هي ذاتها التي تستخدم في الحياة اليومية وذلك من أجل أن يتعامل معها الممثل بكل صدق كما في الحياة المعاشة . بذلك يقتنع بالشخصية التي يمثلها وايصال ذلك الاقتناع للمتلقين وبذلك يرفع شأن الايهام ويعزز الجدار الرابع ويجعل من المنظر المحدد لطبيعة حركة الممثل ، لذا فهو يقول ” لقد وجدت من الضروري ومن المفيد أن أبدأ عملي بأبداع المنظر والبيئة بصرف النظر عن الاحداث والحركات التي ستجري على خشبة المسرح ، ذلك أن المكان هو الذي سيقود الشخصيات وليست حركة الشخصيات هي التي تقرر المكان”.

وكان اندريه لا يعمد الى تكرار المنظر لان ذلك يقلل من مطابقة الواقع ويبعد الممثل من الاندماج معه وكذلك يبعد المتلقين عن الايهام بسبب مشاهدتهم لنفس المنظر في عروض مختلفة لذلك حرص ” على استخدام كواليس جديدة لكل انتاج جديد طالما ان الكواليس القديمة قد تؤدي الى تخريب عناصر الايهام “وأكد على ممثليه ان يكون تمثيلهم اكثر صدقاً وقرباً من الحياة الطبيعية اي ابعد ممثليه عن المبالغة في الاداء فقد أكد على الحركة الجسدية والأيماءة لأنها من الوسائل الجمالية والفكرية المؤثرة بالمتلقي ودعا ممثليه الى تجنب الحركات والإيماءات المتشابهة .

ويمكن ان نستنتج بان ( أنطوان ) يحبذ المذهب الطبيعي في اخراجه لمسرحياته لذا هو يعمد الى أن يضع ممثله المكياج بشكل دقيق بحيث يكون صورة مقاربة للحياة المعاشة لانه يعزز المذهب الطبيعي فيجعل من مكياج الممثل قريب للطبيعة ، لتحقيق مبدأ الايهام بين الممثل والمتلقي وكان يؤكد على الدقة في توظيف الماكياج بحيث تظهر ملامح الوجه اقرب ما تكون من الشخصية المجسدة على مساحة العرض .

أما بالنسبة للتقنية البصرية الخاصة بالازياء فقد أكد أنطوان على أهمية الدقة التاريخية في تصميم الزي المسرحي بما يضمن تحقيق عنصر الايهام ومطابقة الشخصية المجسدة لواقعها المعاش في وقتها ، لذلك حرص على تقديم الأزياء مطابقة لتاريخها فمثلا عند تقديم مسرحية من المسرح الانكليزي وجب مراعاة شكل الملابس التي كانوا يرتدونها بكل تفاصيلها حتى الدقيقة منها ولذلك حرص اندريه انطوان على ان يحمل سروال موظف المكتب تلك الانتفاضات عند ركبته ، ولمعان الكم الايمن الذي يكشف عن مهنته .

واستكمالا لدور الازياء تلعب الاكسسوارات دوراً مهماً في اسناد عنصر الايهام نتيجة لدقة تصميمها بما يناسب عصرها ومراعاة كافة التفاصيل التي تحقق الآثار الوهمية للصورة البصرية لشكل الاكسسوار .

كما اولى اندريه انطوان اهمية لتقنية الاضاءة المسرحية فمن خلال الاضاءة يعمل على تهيئة الجو النفسي ويكشف للمشاهد التقنيات البصرية بدلالتها العديدة والتي تخص الممثل والمنظر عموماً مع حرصه على محاولة مطابقة تأثير الاضاءة المسرحية لما موجود في الطبيعة. حيث ” ابتغى تحقيق الاتجاه التقريبي لمصدر الضوء كالشمس والقمر والمصابيح والشبابيك والابواب وقد رفض استخدام الاضاءة السفلى حيث ان اشعة الضوء لا تأتي من اسفل في الحياة الاعتيادية “

وبهذا فقد ركز اندريه انطوان في استخدامه للتقنيات البصرية على خلق ايهام طبيعي يندمج فيه المتلقي مع العرض المسرحي .


بيتر بروك : ( 1925 – ) : يعتبر احد المخرجين العالميين في العالم المعاصر والذي حاول ان يكسر المألوف في عمل المسرح المعاصر من خلال السعي وراء التغيير والتجديد وعدم التكرار والبحث عن غير المألوف من أجل أن يرتقي المسرح المعاصر لأعلى مستوى .

فبالنسبة للممثل كان بروك يتعامل معه وفق علاقة ترابطية حيث كان يعتبر عمله مكمل لعمل المخرج يستمع لافكاره والى مقترحاته وارائه التي تخدم العرض المسرحي فلم يكن مخرجاً دكتاتورياً يتعامل مع ممثله كدمية ، الا انه طالب ممثله ان يتصف بعناصر ثلاثة بالذكاء والشعور الحقيقي والجسد اي ان يملك ذهنا صافيا لا يشوبه افكار مشوشة وان يمتلك دقة ملاحظة لكي يستطيع ان يجسد دوره باتقان لغرض اقناع المتلقي وحث ممثله على التدريبات المستمرة حيث كان كثير الاعجاب بالممثل الشرقي ( الياباني ) الذي يمتلك جسداً مرناً متدرباً يمكنه من التعبير عن كثير من الادوار فهو لم يحبذ الرتابة في اداء الادوار والتزام الممثل بشكل واحد في التمثيل وكان يقول ان الجسد غير المدرب مثل الالة الموسيقية التي تصدر اصواتاً مشوشة فالتمرين يخفي التوتر الزائد لدى الممثل .

فالتقنية البصرية لجسد الممثل تسهم في كشف اغوار الشخصية المسرحية وفهم ابعادها وتحليلها كما انها تحفز الطاقة الكامنة لجمالية الاداء الجسدي لذا طالب بروك ممثله بتقديم حركات ايمائية تتخطى صورها المالوفة ، اذ ” ان بروك يبحث عن لغة جسدية لا تخضع لقوانين وقواعد الدلالة اللغوية المتداولة ” . حيث يرى بروك ان بامكان الحركة الجسدية للممثل ان تكون لغة تعبير عن معاني رمزية متعددة مثل الحب والحزن والتشاؤم والغضب والتحدي وعن طريق الحركة يمكن ان يعرف المتلقي الافكار والمشاعر التي يطرحها اداء الممثل . كما استخدم بروك في عروضه المسرحية جماليات التقنية البصرية لاداء الجسد في السيرك وما يتميز به لاعبي السيرك من لياقة جسدية وحركات الأكروبات الذين يعتمدون على الحركة الإيقاعية على الحبال والقفز ، ولقد اخذ بروك ذلك من ( مايرهولد ) الذي استخدم البايوميكانيك معتمداً على السيرك وقدم بروك عمله الشهير حلم ليلة صيف حيث استخدم فيه شكل حلبة السيرك وجعل ممثليه يقدمون التهريج والاكروبات والالعاب البهلوانية معتمدين على طاقاتهم الجسدية ومرونتها . كما استخدم بروك الحركات والإشارات الجسدية والأشكال غير الإنسانية من اجل التقليل من الكلمة والتركيز على التقنيات البصرية فعندما قدم مسرحية الستائر استخدم فيها الأشكال الحيوانية والأقنعة والحركات الإيقاعية الطقسية .

وأكد بروك على ان المسرح علاقة بين المخرج والممثل والمتلقي وهو بذلك حرص في اعماله المسرحية على كسر الإيهام فجعل المتلقي يشارك الممثل ويفكر بما يقدمه على خشبة المسرح لذا ” أصر بيتر بروك على تقديم قصص المهابارتا في اطار متفرجين معاصرين جنود يقومون بدور الكومبارس في العرض المسرحي فإذا بالأشخاص التاريخيين والأسطوريين للملحمة يختلطون بالناس العاديين في القرن العشرين ” وبذلك يعتبر المتلقي عامل فعال في الفضاء المسرحي .

ومن ناحية مساحة العرض لم يلتزم بروك في عروضه المسرحية بالشكل التقليدي لخشبة المسرح ، فلم يعتبرها المكان الوحيد للعرض ، وانما كان يحبذ ان يعرض في اي بقعة يجدها ملائمة لعروضه المسرحية كما اكد ذلك في كتابه المساحة الفارغة ” استطيع ان اتخذ اي مساحة فارغة وادعوها خشبة مسرح عارية “. فقدم ” في الشوراع ، وفي المقاهي ، وفي مرائب السيارات ، وفي ثكنات الجنود وبين المقاعد في الحدائق العامة في المدن ” وعندما عرض بروك مسرحيته اورجاست في ايران عرضها في جزئين الاول في وادي والجزء الثاني في وادي اخر يبعد عن الاول وكان المتلقي يلاحق الممثل في حركته على الجبل والوادي وهذا العرض يؤكد موهبة بروك في تحقيق مسرح يدمج فيه المتلقي مع الممثل ليجعله جزء لا يتجزأ منه . وقد اعتمد ذلك في عروضه ليؤكد تقريب المسرح من المتلقي ويجعله على مقربة من الممثل ليشاركه ويفكر معه .

أما بالنسبة لتعامل بروك مع المنظر المسرحي فقد كان يغير مسرحه بتغير عروضه فكان يستخدم المادة الطبيعية مثل فرش ارضية المسرح بالرمال كما في عرض تيمون او الحصى والنفايات كما في مسرحية اوبو ملكاً . او يستخدم السجاد لذا اطلق على عروضه ( بعروض قطعة السجاد ) حيث كان يعتبر السجاد موقعاً ذا قدسية لاداء الممثل وان تخطيها يخرج الممثل عن نطاق عمله لذا فهي تحدد مساحة عمله ضمن حدودها فإذا خرج الممثل خارج نطاق حدودها فبإمكانه ان يمارس حياته العملية لأنه عند ذلك انقطع عن عمله المسرحي . كما قدم بروك عملاً مسرحياً بعنوان ( فاروم . فاروم ) الذي معناه بالالمانية ( لماذا – لماذا ) كتب نصه بروك وماري استيين معتمداً في اعداده على عدة نصوص كتبها مؤلفين مختلفين امثال ارتو – كريك ، مايرهولد . وقد اعتمد بروك في تصميمه لمنظر مسرحيته على شكل مبسط ينتمي الى المسرح الفقير مقتصراً فقط على كرسي متحرك واحد واطار خشبي وظفته الممثلة بشكل باب تتحرك عليه باتجاهات متعددة على خشبة المسرح . وفي عرضه لمسرحية ( موت بانزي سيزوي ) تأليف ( الكاسين ابتهول فوجارد مع جوان ادوارد ) قدم فيه بروك قضايا انسانية تتعلق بمشاكل الانسان المعاصر تحت التمييز العنصري في جنوب افريقيا خلال فترة السبعينات حيث استغل طاقته وجهوده ، لذلك كانت التقنيات البصرية تظهر بيئة فقيرة هامشية تكاد تكون معدومة واستخدم بضع صناديق من الكارتون واطارات حديدية وظفت لعدة اغراض ولاكثر من مشهد حيث حملت دلالات متعددة تخدم موضوع المسرحية .

وعندما قدم بروك مسرحية ” المفتش الكبير” في دمشق ضمن احتفالية دمشق عاصمة الثقافة قدمها باستخدام شاشة للترجمة حيث قدمت المسرحية باللغة الانكليزية وترجمت للعربية وكانت الشاشة في اعلى الخشبة وهذه تعتبر من التقنيات البصرية المستخدمة في العروض المسرحية كما انه اراد ان يكون العرض اكثر جمالية واغنى معرفة .

أما بالنسبة للزي فقد تعامل معه بروك بشكل رمزي ففي عرض ( فاروم . فاروم ) ألبس ممثلته الشال باللون الاحمر الذي يرمز للدم الذي يمثل ظلم وقتل ستالين لمايرهولد وزوجته رايخ ، حيث ان المسرحية كانت تمثل جانبين الاول نشوء المسرح والثاني جريمة قتل مايرهولد وزوجته رايخ .

لقد سعى بروك الى تقديم تقنية بصرية مميزة فهو دائم البحث والتجريب لايستقر على رؤية معينة ومحددة بل له عدة رؤى فهو يتقدم الى فكرة مسرحية وينفيها ويحطمها ومن ثم يعيد انشائها وفق فهم جديد مستعينا بذلك بعناصر انتاجية وعوالم شخصيات مختلفة ليصل بنهاية الى الاقتناع من خلال البناء المحكم .

ولعل هذا التوجه نحو النفي والتحطيم كان منطلقا لتوجهات مسرحية استمدت من بروك بعضاً من اساليبها ، فهو اقرب الى التفكيك الذي يتخذ مساحة تأثير فاعلة في المنظومة البصرية لمسرح ( ما بعد الحداثة ) حيث ينظر للتفكيك بوصفه اسلوباً جمالياً ارتبط بهذا النوع من المسارح .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s